محمد بن عبد الكريم الشهرستاني

462

تفسير الشهرستاني المسمى مفاتيح الأسرار ومصابيح الأبرار

الأسرار قال المستبصرون بآيات النبوّات : إنّ من أشرف آيات النبوّات تصادق كتبهم وتوافق أحكامهم فيما يرجع إلى أصول الديانات من تقرير التوحيد ونفي الأنداد وإثبات الكمال في الرجال والدعوة إلى مكارم الأخلاق والزجر عن مساوئ الأفعال ؛ وما من نبيّ من الأنبياء - على جميعهم السلام - إلّا وهو مبشّر بمن بعده ومصدّق لمن قبله ؛ وما من كتاب إلّا وهو موافق لما قبله ومخبر عمّا بعده ؛ وإذ كان القوم مؤمنين بكتابهم ووجدوا كتابا يوافقه في أصول الشرائع والأحكام ، ولقد جاءهم ما عرفوا وأيقنوا ؛ فإذا أنكروا كان ذلك عنادا وجحودا ؛ فصاروا محجوجين بكتبهم التي صدّقوها ؛ فلا يحتاج على هذه القاعدة نبيّ من الأنبياء إلى إظهار معجزة وإقامة بيّنة ؛ بل النبيّ الأوّل الذي لم يسبقه كتاب مصدّق ومبشّر ربّما يحتاج إلى بيّنة ؛ فلذلك أبان اللّه تعالى فضله على الملائكة - عليهم السلام - بأن علّمه الأسماء كلّها وأعجزهم عن ذلك ؛ فظهر صدقه وتبيّن فضله ؛ فسجدوا له مطيعين حين أمروا بالسجود ، وكان اللعين الأوّل منكرا له بعناد وجحود وبغي وحسد أن ينزّل اللّه من فضله على من يشاء من عباده ؛ فباء بغضب من اللّه على غضب من نفسه . ثمّ إنّ آدم - عليه السلام - ما ترك الأمر بعده هملا ، بل أوصى إلى واحد من ولده ، وبشّر بنبيّ من بعده ، وكذلك هود وصالح وإبراهيم وشعيب وموسى وعيسى ، وكلّهم كانوا متصادقين مبشّرين بمحمّد المصطفى - صلوات اللّه عليهم - ، وهو مصدّقهم ، وكتابه مصدّق لما معهم ؛ فأنّى يأتي نبوّته شكّ وريب حتّى يحتاج إلى آية خارقة للعادة ، خارجة عن قدرة البشر ؟ ! بل كتبهم حجّة عليهم وهم محجوجون بكتبهم ورسلهم ؛ فعلى هذه القاعدة معجزات الأنبياء - عليهم السلام - قولية سمعية مرئية ، ونبيّنا - صلوات اللّه عليه وآله - مبشّر ونذير بالقيامة ؛ إذ هو نبيّ الساعة ؛ فهو بشير ونذير بين يدي الساعة ، وكانت اليهود منتظرين مبعثه ، مستفتحين باسمه على عبدة الأوثان ، مرابطين في الحصون ( 201 ب ) التي بناها أسلافهم حول المدينة لمكاتفته ونصرته ؛ فلمّا جاءهم ما عرفوا كفروا به . وسرّ آخر : أنّ الربّ تعالى بيّن لنا أنّ إنكار اليهود ليس عن شكّ وشبهة في نبوّته ، بل عن بغي وحسد أن ينزّل اللّه من فضله على من يشاء من عباده ، وأنّ النبيّ قد يجوز أن يكون له